كان من المفترض أن يكون نظام الإنقاذ طبعة ما بعد الانتخابات، الأحرص على إثبات أن هناك تغييراً ما يحدث على صعيد الممارسة الديمقراطية، وأن يكون الأكثر طمأنةً للمواطنين بشأن الحريات بعد اللغط الذي شاب الانتخابات، وذلك من خلال وقف عمليات الاعتقال ومصادرة الصحف واعتقال الصحافيين والساسة مهما كانت المبررات التي تساق تحت بند «بث الحقد والكراهية ضد الدولة» وهي عبارة مطاطة من أهم سمات النظام الشمولي.
ولكن بإعادة سياسة الاعتقال ومصادرة الصحف وكبت الحريات باسم الديمقراطية، ترتكب السلطة الحاكمة «المنتخبة» حسب المفوضية أكبر أخطائها، رغم أنه خطأ مفهوم سايكولوجياً، باعتبار أن النظام الشمولي الذي تعود على الانفراد بالقرار والسلطة والثروة لمدة طويلة، سيجد صعوبة في ممارسة السلوك الديمقراطي حتى لو كان جاداً في عملية الانتقال للديمقراطية. وهو ما كشفت عنه التطورات الأخيرة باستعادة سياسة الاعتقال ومصادرة الصحف وتشريد صحافييها.
كل عاقل يدرك أن الحكومة والنظام بطبعتهما الجديدة يواجهان ظروفاً معقدة وتحديات خطيرة، تستوجب ترشيد السلوك والسياسات على نحو تتفادى بموجبه البلاد المزيد من الأزمات، وتستعيد لحمتها الوطنية وتضامن أبنائها. ولكن إعادة سياسة الاعتقال بموجب القوانين المقيدة للحريات سيئة السمعة ومصادرة الصحف، سلوك يتناقض تماما مع أي توجه ديمقراطي حتى لو كان شكلياً، إلا إذا كان نظاماً «شموقراطياً» يجمع بين الديمقراطية والشمولية، وهو جمع لا يجوز شرعا وفقهاً «كالجمع بين الأختين»، مما ينسف من الأساس فكرة أن هناك نظاماً ديمقراطياً يبشر بتوجه جديد يتجاوز أخطاء وتجاوزات الماضي، ويشكل أساساً لعملية ديمقراطية بكل ما شابها من أخطاء يمكن البناء عليها.
لقد بادرت الولايات المتحدة إلى رصد أكثر من ملياري دولار دعماً لميزانية إدارة الدبلوماسية العامة في الخارجية الأميركية، لاستعادة وجه أميركا الحضاري والإنساني في العالمين العربي والإسلامي، بعد التشوه الذي ألحقته تداعيات أحداث سبتمبر بأميركا لمحو كل الذكريات المؤلمة.
وبالطبع ليس مطلوباً من حكومة الإنقاذ رصد مبلغ مماثل لتقديم صورة أفضل لنظامها بعد «الانتخابات» تتجاوز أخطاء الماضي وذكرياته المرة أمام الشعب السوداني، بقدرما أن المطلوب هو التعود على الالتزام والتقيد بالقيم الديمقراطية وتقبل الآخر، والالتزام بالقانون في مواجهة الخصوم السياسيين، ومراعاة القيم السودانية في ممارسة الحكم.
ولعل الدليل الوحيد والممكن الذي يثبت منطق الحزب الحاكم في أن هناك انتخابات «غير مزورة وحكومة ديمقراطية منتخبة» هو في مدى الالتزام بالسلوك الديمقراطي، وتجاوز ثقافة القمع والاعتقال والمصادرة، والالتزام بالقانون نصا وروحاً.
لأن الالتزام بالزي الديمقراطي شكلاً وممارسة الشمولية جوهراً أمر لا يمكن تقبله أو الدفاع عنه.. فهل سيستطيع الحزب الحاكم أن يصوم عن ممارسات النظام الشمولي ويستشرف واقعاً ديمقراطياً في التعامل مع التناقضات يّعود عليه نفسه ويقنع به الآخرين؟ أم أنه «سيفسر بعد جهد الماء بالماء».
/واشنطون